كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)

{فَأَنْجَيْنَاكُمْ} من فرعون ومِنَ الغرق بعد قولكم {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} (¬1) {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} أهلكناهُ وآله حين التطم البحر {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} إلى التطامه عليهم بعد خروجكم منه. وقيل: إلى أشخاصهم بعد ثلاثة أيام حين لفظهُمُ البحر، وحقيقة النظر: تعمّد الرؤية، وهو مستعمل في العين والقلب والأبصار والرؤية والرأي.
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى} وحقيقة الوعد أن يكون للشيء، فإذا كان على الشيء فهو مجاز، والمراد به التخويف بالجائز الممكن (¬2)، كقوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} (¬3)، وقال - عليه السلام - في دعائه: "يا من إذا وعد وفى وإذا توعّد عفا" (¬4). وموسى اسمٌ أعجمي أصلُهُ: موشي، أي: الماء والشجر (¬5) لأنهم التقطوه من بين الماء والشجر، فعرّبتهُ العرب. والموعود: ما كان أربعين ليلة من المناجاة ومشاهدة الملكوتِ والآيات وإعطاء التوراة. وقد صام - عليه السلام - وتَنَزَّه عن الشهوات، فكان (¬6) يصوم نهارًا ثم ينطلق إلى الميقات بأمر ربه ليلًا، وفيه يقول الله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} (¬7) والدليل على أن المراد بالأربعين وقتُ المناجاة دون وقت صومه (¬8) أنَّ بني إسرائيل
¬__________
(¬1) سورة الشعراء: 61.
(¬2) قوله تعالى {وَاعَدْنَا مُوسَى} إنما هو من باب الموافاة وليس هو من باب الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة. [القرطبي 1/ 394].
(¬3) سورة البقرة: 268.
(¬4) لم أجد له أصلًا في كتب الحديث.
(¬5) القبط - فيما يروى عنهم - يقولون للماء: مو، وللشجر: شا حتى إذا ما وجد موسى بين الماء والشجر أطلق عليه موشا على لغة الأقباط ثم حولت إلى موسى، وذكر ابن إسحاق نسبه فقال: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
[تفسير السمعاني 1/ 481].
(¬6) في (ي) و (أ) مكان.
(¬7) سورة الأعراف: 142.
(¬8) وذهب القرطبي والسمعاني إلى أن المراد بالأربعين انقطاعه إلى الصوم، ولا مانع أن يكون جمع بينهما - أي جمع بين الصوم والمناجاة - ولا منافاة في ذلك. =

الصفحة 169