كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} مَحَوْنا الذنب عنكم من قولك: "عَفَتِ الريحُ الأثَرَ" (¬1) وقيل: تركناكم ولم (¬2) نَسْتَأصلكم بالقتل. {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} من بعد اتخاذكُمُ العجلَ. والكاف في ذلك موحد لأنه علامة الخطاب (¬3) وليس باسم، ألا ترى لو قال: من ذا جازَ، فإذا جازَ إسقاطُهُ جاز توحيده {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكي تُظْهِرُوا ثناءَ الله وتحمدوه على عفوه عنكم، إذ الشّكرُ قضيّة الإحسان (¬4) سواءٌ أريد أو لم يرد، فما أرادَ الله كان وما لم يُرِدْ لم يكن، وهو على كل شيء قدير.
{وَإِذْ (¬5) آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} يعني التوراة. عن مجاهد: ذكرهما بأسمين كما يُقال: سُحْقًا وبُعْدًا (¬6)، ويقال: الكتاب: التوراة،
¬__________
= فيه الحقيقة ولا يمنع من حمله على الحقيقة فتسميته عجلًا هو حقيقة بحد ذاته. وقيل: سمي عجلًا لاستعجالهم عبادته، ويقال: عِجْل وعجول وتجمع على عجاجيل والأنثى عجلة قاله أبو الجراح.
(¬1) أي أذهبته، ويقال أيضًا: عفا الشيء: إذا كَثُر. فهو من باب الأضداد. ومنه قوله تعالى {حَتَّى عَفَوْا} وقيل إن العفو مقرون بالعقوبة قبلها أو بعدها أحيانًا بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبةٌ البَتَّة.
[القرطبي 1/ 397].
(¬2) (ولم) ليست في (ن).
(¬3) [انظر التحرير والتنوير 1/ 501].
(¬4) الشكر لغة: الظهور، من قولهم دابة شكور: إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العلف. واصطلاحًا: هو الثناء على من أَوْلاك معروفًا من خالق أو مخلوق. [اللسان: (شكر)].
(¬5) (وإذ) ليست في (ن).
(¬6) قال الفَرَّاء وقطرب - فيما نقله عنهما النَحَّاس في إعراب القرآن - أن المراد بالكتاب التوراة والفرقان هو محمَّد عليه الصلاة والسلام. قال أبو جعفر النحاس: وهذا خطأ في الإعراب والمعنى، أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله، وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه، وأما المعنى فقد قال - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ. . .} [الأنبياء: 48] ولذا قال أبو إسحاق الزجاج: يتعين أن يكون الفرقان هذا الكتاب أعيد ذكره وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول عدي بن زيد العبادي:
فقددت الأديم لراهِشَيْهِ ... وألفى قولها كذبًا ومَيْنَا
وقول عنترة بن شداد العبسي: =