كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)

لي رجلًا، فجملوه على طريق الإجمال ولم يتسارعوا إلى الائتمار والإقبال فَزلُّوا وأَضلّوا. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لو اعترضوا على أية بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا فشدَّد الله على أنفسهم" (¬1). والهُزؤ: مصدرٌ أقيم مقام المفعول (¬2)، كقوله: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} يعني: مستهزأ به، والجهلُ: نقيضُ العلم. والشيءُ المجهول ما لا يثبت معلومًا معقولًا. وقد يكون بمعنى الاعتداء، قال الشاعر (¬3):
أَلاَ لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا ... فَنَجْهَل فوقَ جهلِ الجاهلينا
والوجهان محتملان هاهنا, لأن من استهزأ في غير (¬4) موضع الاستهزاء كان جاهلًا بقبحه متعديًا في أمره.
{يُبَيِّنْ لَنَا} تبيينك الشيءَ: تصييرُكَ إياه بيِّنًا، والبيان والإبانة والاستبانة بمعنى (¬5)، وهو: الامتياز والاتِّضاح، والتمييزُ والإيضاح والتبيين نقيضُ: التلبيس وغير التبيين. {مَا هِيَ} استفهامٌ عن صفة (¬6) البقرة،
¬__________
(¬1) هذا الحديث رواه الطبري (2/ 204)، والبيهقي في السنن (6/ 362) وعزاه ابن كثير في تفسيره لابن مردويه وقال عن الحديث: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة". وقد ضعفه ابن حجر في الكافي الشافي (1/ 151).
والأثر وجدته عند ابن أبي حاتم (690) من قول عبيدة السليماني عن بني إسرائيل، وهذا هو الراجح أنَّه من الإسرائيليات.
(¬2) {هُزُوًا} هي مفعول ثانٍ لـ {أَتَتَّخِذُنَا}، وفي وقوعها مفعولًا ثانيًا ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه على حذف مضاف أي ذوي هُزْء.
القول الثاني: أنه مصدر واقع موقع المفعول به، أي: مهزوءًا بنا.
القول الثالث: أنهم جعلوا نفس الهُزْءِ مبالغة، وهذا القول أقرب الأقوال، وهو الذي رجحه السمين الحلبي في تفسيره.
[الدر المصون (1/ 418) - البحر (1/ 250) - الكشاف (1/ 286)].
(¬3) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم.
(¬4) ليست في "أ".
(¬5) ليست في "أ".
(¬6) ليست في "ن".

الصفحة 200