كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)
وقوله: {أَفَتَطْمَعُونَ} نزلت في شأن المؤمنين (¬1) حيث طمعوا في شهادة اليهود لهم ورَجَوْا نصرهم إياهم على مشركي العرب. والطمعُ قريبٌ من الرَّجاء والتوقع، قال إبراهيم: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي} (¬2) وهذا يقتضي تفخيم الطمع وتبعيد [ما طمعوا فيه ثم بيّن جهة التفخيم والتبعيد] (¬3) فقال: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أي: طائفةٌ وقطعةٌ منهم وهم الأحبار (¬4) يسمعون كلام الله من رسلهم.
{ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} يعوجونه باللحن، كقولهم: هطا (¬5) مكان حطة أو التأويل كتوجيههم الخطاب في التوراة بقوله: تمسَّكوا بهذه الشريعة أبدًا ما دامت رؤوسكم على أبدانكم أو ما دامتِ السماوات والأرضُ، إلى المكلفين بشريعة صاحب الحمار وصاحب الجمل المذكورين في التوراة المرسلين بالإعجاز وهما: عيسى ابن مريم، ومحمد خاتم النبيين صلوات الله عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، فهذا ونحوه (¬6) تحريفهم.
{مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي: فهموهُ. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} معناه: وقت التفهُّم أو يعلمون أنَّهم محرفون. ويُروى أن المراد بالفريق: مَنْ حَرَّفَ كلام الله من جملة السبعين الذين كانوا مع موسى - عليه السلام - وذلك أنهم سمعوا كلام الله (أنا الله ربكم لا إله إلَّا أنا الحيُّ القيُّوم) (¬7) فلا تعبدوا إلهًا غيري
¬__________
(¬1) الخطاب موجه إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يواسيهم في ذلك، وهذا قول ابن عباس - رضي الله عنهما -، أخرجه ابن أبي حاتم (1/ 148).
(¬2) سورة الشعراء: 82.
(¬3) ما بين [...] ليست في "أ".
(¬4) أي أن أحبارهم وعلماءهم هم الذين يقومون بالتحريف أي تحريف التوراة، هكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم عنه في تفسيره (1/ 149) وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد. وأخرجه الطبري أيضًا عن مجاهد في تفسيره (2/ 141).
(¬5) في "ب": (حطا).
(¬6) في "ب": (نحوهم).
(¬7) قال القرطبي: هذا حديث باطل لا يصح، رواه ابن مروان عن الكلبي وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وإنما الكلام شيء خُصَّ به موسى من بين جميع ولد آدم. اهـ.
[تفسير القرطبي (2/ 2)].