كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)

فتمثَّل لها بشرًا سَوِيًا، ونفخ فيما أحصنت فحبلت العذراءُ البتول بالمسيح الرسول. والبينات: جمع بيِّنة، وهي ما يشهد من المعاني لثبوت حق.
وبيناتُ عيسى (¬1): إبراءُ الأكمه والأبرص وإحياءُ الموتى بإذن الله والإنباء بما يأكلون وما يدَّخرون في بيوتهم. {وَأَيَّدْنَاهُ} قويناه. والتأييد هو: جَعْلُ الشيء ذو الأيد والقوة.
{بِرُوحِ الْقُدُسِ} والروح من أمر الله تعالى، ويُسمى ما يحيى به الجسد والنفس روحًا. ويُعَبَّر عن القرآن أيضًا، وعن المَلَك النازل بالقرآن كذلك، أعني: جبريل - عليه السلام - (¬2). لأن حياة القلب وهو الإيمان بسببهما، وكان عيسى ابن مريم روح الله. والملائكة يُسَمَّون الروحانيين، والفلاسفةُ يُسنِدون (¬3) علم النبوة والتنسّك وعلم المصالحِ والكهانة إلى روح القُدُس، وعلم السحر والنِّيرنجان (¬4) إلى الأرواح الخبيثة. والكهانة عندنا في الخبر من النوع الثاني. ومثالُ روح القدس من الأسماء: زيد الخيل وامرؤ القيس وملك الموت، وفي الحديث: "اللهمَّ أيِّده بروح القُدس" (¬5)، يعني حسان بن
¬__________
(¬1) كما في سورة آل عمران آية (49): {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ...} الآية، وكما في سورة المائدة (110): {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ...} الآية.
(¬2) الروح تطلق في الأصل ويراد بها الجزء الذي تحصل به الحياة من إنسان أو حيوان - قاله الراغب - أما المراد بروح القدس فهو جبريل - عليه السلام -، وهذا وصف اشتهر به، ومنه قول حسان بن ثابت:
وجبريلٌ رسول اللهِ فينا ... وروحُ القدسِ ليسَ له كفاءُ
وسمي بذلك لأن بسببه حياة القلوب إذ هو الموكل بالوحي من عند الله.
[المفردات ص 205 - البحر (1/ 299) - ديوان حسان ص 60].
(¬3) (يُسندون) ليست في "ب".
(¬4) هو علم التمويه والتخييل القائم على كتابات مجهولة الدلالة لتحصيل آثار من الحب والبغض والإقبال والإعراض ونحو ذلك، انظر: طاش كبري زاده "مفتاح السعادة" (1/ 339).
(¬5) الحديث عند البخاري (1/ 123)، وأبي داود في فضائل الصحابة ص 151، والنسائي (المساجد 24)، وأحمد في مسنده (5/ 222) وغيرهم.

الصفحة 226