كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)

والدليل على كونهما حرفين لزومهما صورةً واحدةً في التذكير والتأنيث والجمع والخطاب والحكاية عن النفس والغائب ولأنهما لو كانا فعلين لدخلهما "قد" والدليل على أنهما يشبهان الأفعال جواز قولك: بئس وبئست ونعمَ ونعمت. والدليل على أنه فيهما معنى الصفة استقلال قولك: بئس الرجلُ زيدٌ، ونعمَ رجلًا عمرو، أي: مذموم زيد ومحمود عمرو، وعلى هذا ما اشتروا به أنفسهم هاهنا اسمٌ، والكفر: مشترى به، والأنفس: مشترى لها، فانتصب بنزعِ الخافض.
{بَغْيًا} حسدًا حسدوا. {يُنَزِّلَ اللَّهُ} تعالى {فَضْلِهِ} وهو وحيه ورحمته. {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} يعني: نبينا عليه الصلاة (¬1) والسلام. والعباد جمع عبد، والعبد مَنْ هو مملوكُ الرقبة. {مُهِينٌ} يُهانون فيه، والإهانة من الإذلال (¬2).
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} نزلت (¬3) فيمن تكبَّر من اليهود أن يقول عند الدعوة نَعَم وتحرج أن يقول: بلى، فكانوا يعدلون عن الجواب إلى قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} يعنون التوراة. ويظنون أن جوابهم مخلّصٌ عن الكفر، كما أن المؤمنين يقولون عند الشك: آمنا بجميع ما أنزل اللهُ على رسله، فخطأ اللهُ اليهود وحكم بكفرهم إذ قال: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}؛ يعني القرآن (¬4). ونصب
¬__________
= عليهما في قولهم: "ما هي بنعم الولد نَصْرُهَا بُكاءٌ وبِرُّهَا سرقة"، وقولهم: "نعم السير على بئس العير"، وقول الشاعر:
صَبَّحَكَ اللهُ بخيرٍ باكرِ ... بِنِعْمَ طَيْرٍ وشبابٍ فاخِرِ
[الإنصاف ص 97 - الأشموني (273)].
(¬1) (الصلاة) من "ب".
(¬2) وأصل "مهين" مُهْوِن, لأنه من الهوان، وهو اسم فاعل من أهان يُهين إهانةً فنقلت كسرة الواو على الساكن قبلها فسكنت الواو بعد كسرةٍ فقلبت ياءً.
[معجم مفردات الإبدال ص 270 - اللسان "هون" - مقدمة المفسرين للبركوي (1/ 613)].
(¬3) (نزلت) ليست من "ب".
(¬4) يرى ابن جرير في قوله تعالى: {بِمَا وَرَاءَهُ} أي: بما وراء التوراة أي بما بعد التوراة، وهذا تفسير قتادة والربيع وأبي العالية فيكون المعنى: بما سوى التوراة وبما بعده من كتب الله التي أنزلها إلى رسله.
[الطبري (2/ 255) - ابن أبي حاتم (1/ 174)].

الصفحة 230