كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)
{وَرَاءَهُ} على الظرف (¬1)، وكلّ شيئين أحدُهما أقرب منك فهو دون الآخر والآخر وراءه، كلُّ مشغولٍ عنه وراء الشاغل. وهو راجع إلى ما، وما قائم مقام القرآن. و {مُصَدِّقًا} نصبٌ على القطع كوفيًا وعلى الحال بصريًا (¬2). و (لِمَ) أداة لطلب الحجة، وهو في الأصل: لماذا، وتقديره: لأجل أي شيء ذلك الفعل وذلك القول، ونظيره في الاختصار: عَمَّ ومِمَّ. {تَقْتُلُونَ} مستقبل بمعنى الماضي بدلالة قوله: {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (¬3).
وكرر اتخاذ العجل، والتكرار ربما اتصل بزيادة فائدة، وربما لم يتصل. فيما يتصل ثلاثة أنواع، أحدها: مثل هذا إذ الأولى لإلزام الحجة وتذكير النعم بدلالة أنه أتبعهًا {ثُمَّ عَفَوْنَا} (¬4).
والثانية: لتكذيبهم في دعواهم (¬5)، بدلالة قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ
¬__________
(¬1) "وراءه" وراء: من الظروف المتوسطة التصرف، وهو ظرف مكان والمشهور أنه بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى أمام فهو من الأضداد، ومن الثاني قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} أي أمامهم. وفسَّر الفراء قوله تعالى: {بِمَا وَرَاءَهُ} بما سواه أي أن وراء بمعنى سوى. وفسَّره أبو عبيدة بمعنى "بعد" وحكم وراء كحكم قبل وبعد في كونه إذا أضيف أعرب، وإذا قطع بني على الضم، ولذا أنشد الأخفش:
إذا أنا لم أُومِنْ عليكَ ولم يكن ... لقاؤُك إلا مِنْ وراءُ وراءُ
وجاء في الحديث عن إبراهيم - عليه السلام -: "كنتُ خليلًا من وراءُ وراءُ" [أخرجه مسلم في صحيحه- كتاب الإيمان (1/ 187)].
[معاني القرآن (1/ 60) - مجاز القرآن (1/ 47) - الإملاء (1/ 51) - شرح الجمل (2/ 305)].
(¬2) ولذا هي عند سيبويه حال مؤكدة. والحال المؤكدة: إما أن تؤكد عاملها نحو: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وإما أن تؤكد مضمون جملة، فإن كان الثاني التزم إضمار عاملها وتأخيرها عن الجملة، ومثله ما أنشده سيبويه وهو لسالم بن دارة:
أنا ابنُ دارةَ معروفًا بها نسبي ... وهل بدارةَ يا للناسِ منْ عارِ
ويكون التقدير في الآية: وهو الحق أَحُقُّهُ مصدقًا.
[الكتاب (1/ 257) - الخصائص (2/ 268) - الأشموني (2/ 185) - إعراب القرآن للنحاس (1/ 198)].
(¬3) سورة آل عمران: 183.
(¬4) سورة البقرة: 52.
(¬5) في "ن": (دعوتهم).