كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 1)
{وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} يقول يوم القيامة: تبعني هذا وعصاني هذا {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (¬1) وقيل: حُجَّة على أمته، واعلم أنَّ النبي -عليه السلام- كان حُجَّة على أهل عصره لمعاينتهم معجزاته، وعلى العالمين عامة لعلمهم به من طريق الوحي المعجز والأخبار المتواترة على وجه لا يمكِّنهم التشكيك في كونه وكون بعض معجزاته. واختلف في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} قيل: هي المنسوخة بدليل قوله: {كَانُوا عَلَيْهَا} وقيل: هي الناسخة (¬2)، وقوله: {كُنْتَ} أي: صرت أو أنت عليها، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} (¬3) وقوله: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً}.
وروي ما يدلُّ أنَّ الكعبة كانت قبلة مِنْ قَبْل، روي أنَّه -عليه السلام- كان في الابتداء يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلّي صلاة الضحى (¬4) وتلك الصلاة لا (¬5) تنكرها قريش، وقوله {لِنَعْلَمَ} أي: لنعلم المتبع ممتازًا من المتقلب في الظاهر (¬6)، والأشياء إنَّما تكون معلومة عند الكينونة لا قبلها، إذْ يستحيل (¬7) كون ما لم تكن، وإنْ كان اتصاف الله تعالى بالعلم لا لابتداء (¬8) له، وقيل: {لِنَعْلَمَ} أي ليعلم أولياؤنا (¬9)، كقوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا
¬__________
(¬1) سورة النساء: 41.
(¬2) لم أَجد مَنْ ذكر ذلك والأصل أن القبلة التي كان عليها هي بيت المقدس، وهو قول عامة المفسرين.
[انظر: الكشف والبيان (1/ 161)، والطبري (2/ 638)، وابن أبي حاتم (1/ 250)].
(¬3) سورة آل عمران: 110.
(¬4) ذكره الإمام أحمد (1/ 325)، والطبراني في الكبير (11066)، وابن سعد في الطبقات (1/ 243)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 3)، وابن عبد البرقي التمهيد (8/ 54؛ 17/ 49)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 141) لابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه والنحاس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه.
(¬5) في الأصل لا توجد (لا).
(¬6) ذكره القرطبي (2/ 156) وعزاه لابن فورك.
(¬7) في الأصل: (يتصل).
(¬8) في "ي": (لا ابتداء)، وفي الأصل: (لا لابتداء الإله).
(¬9) قريبًا منه ما ذكر عن الفراء كما في زاد المسير (1/ 155) أي أن العلم راجع إلى المخاطبين، والمعنى لتعلموا أنتم.