كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 2)
الاسترشاد، وإلا فهو بمعنى الإنكار {لَوْلَا} هلا {أَخَّرْتَنَا} على وجه الطلب. وذلك أنه لما لزمهم فرض الجهاد وخافوا (¬1) القتل وطلبوا التأخير إلى أجل قريب للتخلص في الحال، كما نقول للمطالب: (خلني ساعة) وفي قوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} تزهيد لهم في الدنيا، وقوله (¬2): {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} ترغيب في (¬3) الآخرة.
{أَيْنَمَا تَكُونُوا} نزلت في المنافقين الذين قالوا لإخوانهم {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: 156]. {وَلَوْ كُنْتُمْ} تأكيد للشرط وتقديره: أينما تكونوا {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} يدرككم الموت، وواحد البروج: برج، وهو القصر المرتفع سُمي برجًا لظهوره، وقيل (¬4): ومنه سمي الكواكب بروجًا، وتشييد (¬5) البنيان تكرار الفعل في رفعه وأحكامه {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} إخبار عن بعض المنافقين تشاءموا بالنبي -عليه السلام- وقالوا: نقص بقدومه غلاتنا وغلت أسعارنا (¬6)، وهو قريب من قصة آل فرعون {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ} [الأعراف: 131] الآية، و (الفقه): إدراك العلم بالفهم، فَقِهَ إذا فهم، وفَقُهَ إذا صار فقيهًا.
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} ليس بين الآيتين تضاد (¬7) لأنه تعالى قال: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} ولم يقل: ما أصابهم من حسنة. {فَمِنَ اللَّهِ} وما أصابهم من سيئة {فَمِنْ نَفْسِكَ} ولو كان (¬8) قال هكذا يحملنا الأول على الحكاية
¬__________
(¬1) في "أ" "ي": (خافوا) بدون واو.
(¬2) (وقوله) ليست في "ب".
(¬3) في "ب": (إلي).
(¬4) في "أ" "ي" والأصل: (قيل) بدون واو.
(¬5) أصلها (الشيد) بكسر الشين وهو كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، ومنه قوله تعالى: {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45] والمشدد لتكثير الفعل.
هذا قول والآخر أن المشيّد هو المرتفع المطوّل، والمشيد هو المطلي بالشيد، انظر القرطبي (5/ 383).
(¬6) انظر القرطبي (5/ 284).
(¬7) في "ي" "أ": (تضاد)، وفي الأصل: (تضاده).
(¬8) (كان) ليست في "ب".