كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 2)

فالله أولى بكل واحد من الغني والفقير وهو يأمركم بالشهادة عليهما، أي: لا يحملنكم موالاتكم إياهما عن كتمان الشهادة؛ فإن من هو أولى منكم بما يأمركم بأدائها ويحتمل أن الكناية راجعة إلى المشهود عليه والمشهود له وتقديره فالله أولى به وبخصمه {أَنْ تَعْدِلُوا} لتعدلوا (¬1) وتقسطوا عند الزجاج والفراء (¬2)، وقال ابن جرير: هذا من العدول فيكون ترجمة لاتباع الهوى.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} أي: آمنوا ببعض آمنوا بالكل لما تتلوه، وقيل: آمنوا بالنعت آمنوا بالمنعوت كقوله {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89] وقيل: آمنوا وجه النهار وآمنوا آخره لقوله:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} به (¬3) وقيل: آمنوا بألسنتكم آمنوا بقلوبكم لقوله: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ} [النساء: 140] وقيل: آمنوا فيما مضى وفي الحال وذاقوا على الإيمان في المستقبل لقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6] وقيل: آمنوا بألسنتهم أخلصوا بعقائدهم تحققوا في الإيمان بدوام مراقبتكم وتهذيب خواطركم لقوله -عليه السلام- لحارثة: "كيف أصبحت؟ " قال: أصبحت مؤمنًا حقًا ... (¬4) الخبر.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} عن قتادة: أنها نزلت في أهل الكتاب (¬5)، وعن الحسن: في الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره (¬6)، وعن مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين (¬7)، وهذا أصح لأنهم تردّدوا في أمرهم وأصرّوا
¬__________
(¬1) (لتعدلوا) ليست في "ب".
(¬2) ذكره الزجاج في (معاني القرآن) (2/ 118)، والفراء في (معاني القرآن) (1/ 291).
(¬3) (به) من الأصل.
(¬4) رواه عبد بن حميد (445)، والطبراني في الكبير (3367)، وابن أبي شيبة (30425) بسند ضعيف، وروي عن أنس وأبي هريرة بسند ضعيف أيضًا.
(¬5) رواه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 176)، وابن جرير (7/ 597).
(¬6) عزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (2/ 225) للحسن.
(¬7) أما عن ابن زيد فعند ابن جرير (7/ 598).
وأما عن مجاهد فعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (5/ 77) لابن المنذر.

الصفحة 638