كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 2)
اليهود قالوا لرسول الله: أنزل الله عليك كتابًا من السماء؟ قال: "نعم"، قالوا: إن الله لم ينزل كتابًا من السماء ينزل على بشر (¬1) (¬2)، وقيل: نزلت في خطاب قريش ثم قرأها على مالك بن الصيف (¬3)، ويحتمل أنها نزلت في خطاب اليهود وأن الجعل والإبداء والإخفاء خبر عن آبائهم الماضين.
{مُصَدِّقُ} أي: ليصدق الذي بين يديه، و {أُمَّ الْقُرَى} مكة لأن مكة فيها {أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] وقيل: لأنها قبلة سائر القرى ومكانتها بإنذار أهلها، {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} يدل أن الكافر به كافر بالله وباليوم الآخر في الحقيقة فإن الإيمان لا يتبعض.
{وَمَنْ أَظْلَمُ} قال قتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب والأسود العنسي (¬4)، وعن عكرمة أنها في مسيلمة الكذاب وابن أبي سرح، وكان ابن أبي سرح كاتب الوحي (¬5)، وربما كتب الغفور الرحيم مكان العزيز الحكيم والعزيز الحكيم مكان الغفور الرحيم، ولا ينكر عليه رسول الله لأن الكل قرآن بعضه في بعض (¬6). وذلك من الله فتنة واستدراج لابن أبي سرح حتى نزل قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12)} [المؤمنون: 12] الآية، فجرى على لسانه {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]، فقال -عليه السلام-: "اكتب ما جرى على لسانك" فكتب وكان ذلك سبب كفره فارتدّ ولحق بمكة، فقال: إن أنزل إلى محمد قرآن فقد أنزل إلى كذلك وإلا فقد أتيت بمثله، (افتراء) افتعال من الفري وهو القطع، والمفتري يقطع من موهومه شيئًا فيتقوله، {سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ظنًا منه وغرورًا، وإسناد الإنزال إلى نفسه مجاز، كقولهم: {حَتَّى تُنَزِّلَ
¬__________
(¬1) من قوله: (وعن ابن عباس) إلى قوله: (على بشر)، ليست في "ب".
(¬2) رواه عن محمد بن كعب القرظي ابن جرير (9/ 395).
(¬3) هذا مروي عن مجاهد رواه ابن أبي حاتم (7592).
(¬4) الذي عند ابن جرير (9/ 406) عن قتادة أنها نزلت في مسيلمة فقط، وكذا عند ابن أبي حاتم (7626).
(¬5) في الأصل: (سرج كاتبًا لوحي)، وفي "أ": (السرح كتاب الوحي).
(¬6) رواه ابن جرير (9/ 405)، وانظر كذا ابن أبي حاتم (7626).