كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 2)
كل ذي برثن، {شُحُومَهُمَا} جمع شحم وهو ما يذوب دهنًا، {إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} ما اختلط باللحم من البياض وقيل: الإلية، و {الْحَوَايَا} المباعر والمصارين، وهي معطوفة على المستثنى، وقيل: على المستثنى منه (¬1)، {مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} ما على العظم من دسم.
{فَإِنْ كَذَّبُوكَ} يعني اليهود، وهم كانوا يأتون مكة تجارًا ويأتونها قاصدين رؤية النبي -عليه السلام-، وقيل: كذبته قريش وكذب الرحمة هو التنبيه على الإمهال لئلا يغترّوا بسلامة الحال، وكذلك ذكر اليأس بعد الرحمة.
{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} لما علموا أن النبي -عليه السلام- يثبت القدر خيره وشره من الله وينفي وجود الشيء من غير مشيئة الله، توهموا أن كل ما شاء الله رضيه (¬2) كما ظنت القدرية (¬3) فاحتجوا بالمشيئة وحسبوها عذرًا فبين أن لو أثبتوا المشيئة لأثبتوها على أنفسهم لا لأنفسهم، كذلك تشبيه بقوله {وَإِنْ كَذَّبُوكَ} [يونس: 41].
{الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} التي بلغت كل مبلغ في الصحة والبيان.
¬__________
(¬1) ذهب الكسائي إلى أن {الْحَوَايَا} [الأنعَام: 146] في موضع رفع عطفًا على {ظُهُورُهُمَا} [الأنعَام: 146]، والوجه الثاني: أنها في محل نصب نسقًا على {شُحُومَهُمَا} أي: حرمنا الحوايا وشحومهما، والوجه الثالث: أن {الْحَوَايَا} في محل نصب عطفًا على المستثنى وهو {مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} نقل هذا الوجه أبو البقاء العكبري. أما من حيث المعنى فالحوايا جمع واحدها حاوياء وحاوية وحَوِيَّة وهو كل ما تحويه البطن فاجتمع واستدار.
[الطبري (9/ 643)، الإملاء (1/ 264)، الدر المصون (5/ 205)].
(¬2) في الأصل: (رضي به).
(¬3) القدرية ثلاث فرق كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية. الفرقة الأولى: نفاة القدر وهم (القدرية المجوسية)، والفرقة الثانية: المعارضون به للشريعة الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعَام: 148] وهم "القدرية المشركية"، والفرقة الثالثة: المخاصمون به للرب سبحانه وتعالى وهم أعداء الله وخصومه وهم "القدرية الإبليسية" وشيخهم إبليس وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} الأعرَاف: 16] ولم يعترف بالذنب ... " اهـ. نقله عنه تلميذه ابن القيم في طريق الهجرتين (ص151) في كلام مطوَّل.