كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 2)

بعسكره إلى ثنية الوداع حين خرج إلى غزوة تبوك وترك ابن أبي بن سلول أسفل من الثنية مع المنافقين، فلما ارتحل رسول الله تخلّف ابن أُبي مع بضع وثمانين رجلًا فأنزل الله الآية، و (المقعد) القعود مصدر كالمطعم والمشرب والملبس، {خِلَافَ} مخالفة مفعول له (¬1)، {فِي الْحَرِّ} في أوان الحر (¬2) وهو القيظ، والحر ضدّ البرد، وقوله: {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} كالشرط لحصول الخير في علمهم، وتقديره: أعلمهم أن {نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} قريب منه {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] (¬3).
{فَلْيَضْحَكُوا}، {وَلْيَبْكُوا} أمر كينونة وإلجاء لا أمر شرع وتعبد بدلالة ذكر الجزاء، وضحك الشيء غاية ظهور جماله عند وجود مراده أو مسرته أو شهوته أو حاجته الطبيعية، يقال: ضحك الفجر إذا طلع، وضحك
¬__________
(¬1) قوله: "خِلافَ" فيه ثلاثة أوجه إعرابية:
الأول: ما ذكره المؤلف من أنه مفعول لأجله والعامل فيه إما "فرح" وإما "مقعد" بمعنى - فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله حيث مضى هو للجهاد وتخلفوا هم عنه، وإلى هذا ذهب الطبري والزجاج.
والوجه الثاني: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، والتقدير: تخلفوا خلاف رسول الله.
والوجه الثالث: أنه منصوب على الظرفية والتقدير: بعد رسول الله، ومنه قول الشاعر وينسب للحارث بن خالد المخزومي:
عَقَبَ الربيعُ خلافَهُمْ فكأنما ... بَسَطَ الشواطبُ بَيْنَهُنَّ حصيرا
وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمر والأخفش، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس وأبي حيوة وعمرو بن ميمون "خَلْفَ" بفتح الخاء وسكون اللام.
[تفسير الطبري (11/ 604)، معاني القرآن للزجاج (2/ 513)، المجاز لأبي عبيدة (1/ 264)، الشواذ (ص 54)، الدر المصون (6/ 90)].
(¬2) في الأصل و"أ": (الحب).
(¬3) يريد المؤلف أن الفقه بمعنى العلم وهذا صحيح، ولذا قال ابن فارس: الفقه العلم بالشيء ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، ولذا قال ابن الجوزي في قوله: {يَفْقَهُونَ}: معناه يعلمون.
[زاد المسير (2/ 285)].

الصفحة 909