كتاب بستان الواعظين ورياض السامعين

مسيرَة ألف عَام فاتحا فَاه وَأَن شفته الْعليا ملتصقة بالعرش والسفلى تَحت الثرى لَو أذن الله تَعَالَى لَهُ أَن يضع شفته الْعليا على السُّفْلى لأطبق مَا بَينهمَا فِي جَوْفه وَأَن لله ملكا عُنُقه فثني تَحت الْعَرْش وَرجلَاهُ قد جاوزتا رجْلي هذَيْن الْملكَيْنِ مسيرَة ألف عَام يخرج الرّيح من أَنفه
لَو أذن الله أَن يتنفس لأدخل جَمِيع مَا خلق الله فِي السَّمَوَات وَالْأَرضين فِي أَنفه سوى الْعَرْش وَأَن هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة الَّذين وصفت لَك يكون خلقهمْ عِنْد خلق غَيرهم من الْمَلَائِكَة الَّذين فَوْقهم كجناح ذُبَابَة عِنْد الْفِيل وَأَن لله ملكا باسطا كَفه الْيُمْنَى مُنْذُ خلقه الله تَعَالَى رَافعا صَوته بالتهليل وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس والتحميد لَو أذن الله لَهُ أَن يقبض كَفه لقبض جَمِيع الْخَلَائق مَا خلا الْعَرْش
فَقَالَ سُلَيْمَان صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ياملك الْمَوْت أكفف عني فَلَقَد وصفت أمرا أَتَخَوَّف أَن تطير روحي وَلَا تثبت نَفسِي وَلَا أُطِيق سَمَاعه فَكف ملك الْمَوْت فَعندهَا قَالَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام يَا رب مَتى ألتقي مَعَ الْأَحِبَّة يَا رب قد أَحْبَبْت لقاءك والراحة من الدُّنْيَا
فَهَذَا كَانَ سَبَب موت سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام
وأنشدوا
(الْمَوْت مر والعيش هم ... فَأَي هذَيْن لزم)
(وَقد تعجبت إِذْ هُنَا لي ... عَيْش وَعِنْدِي بِالْمَوْتِ علم)
(أنقل رجْلي من كل دَار ... خوف المنايا وَالْأَرْض سم)
(وَالروح مستوفز بجسمي ... لَهُ على الِانْتِقَال عزم)
فكأنكم وَالله بِالْمَوْتِ قد فاجأكم وأزعجكم عَن لذاتكم ونغص عَلَيْكُم شهواتكم ونقلكم إِلَى بيُوت الوحشة والضيق حَيْثُ لَا ينفعكم حميم وَلَا صديق وَلَا أَخ شَقِيق وَلَا وَالِد شفيق
292 - نِدَاء الْمَوْت

رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ مَا من يَوْم إِلَّا وَملك الْمَوْت يُنَادي يَا أهل الدُّنْيَا عجلوا عجلوا لِأَن أهل الْقُبُور محبوسون من أجلكم اتْرُكُوا مَا جمعتم وخربوا مَا بنيتم الويل لكم إِن أدرككم الْمَوْت على هَذِه الْحَالة زينتم الدّور ونسيتم الْقُبُور
اذْكروا الْقَبْر ووحشته وَالْمَوْت وسكرته والصراط ودقته
وَالْمَوْت سكرة فِي سكرة وحيرة فِي حيرة وجذبة يَا لَهَا من

الصفحة 172

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text