كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام

شخصا جسمانيا فيجب أن يكون على صورة بشر حتى يكلمه بكلام البشر وإن كان جوهرا روحانيا فكيف يتصور أن يتشخص ويظهر بشخص جسماني أ ليس نفس الدعوى إذا لم تكن معقولة في نفسها لم يجز مطالبته بالبرهان عليها فلا نزول الملك معقول ولا نزول القرآن الذي هو كلامه معقول بل هما مستحيلان عند العقلاء بأسرهم وأيضا فإنه ادعى بعد ذلك صعوده إلى السماء والجسماني الكثيف يستحيل أن يصعد والأجرام العلوية لا تقبل الخرق وإذا اشتمل كلامه على ما يستحيل في العقل حكم ببطلان أصل دعواه إلى غير ذلك مما ادعى أنه شاهد العوالم وأخبر عن حشر الأجسام والأحياء في القبور والميزان والصراط والحوض بعد ذلك فإن هذه غير معقولة بل قبولها على الوجه الذي يدعيه مستحيل.
قال أهل الحق: النبوة ليست صفة راجعة إلى نفس النبي ولا درجة يبلغ إليها أحد بعلمه ولا كسبه ولا استعداد نفسه يستحق به اتصالا بالروحانيات بل رحمة من اللّه تعالى ونعمة يمن بها على من يشاء من عباده، وكما قال نوح عليه السلام قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: 50]، إلى غيره من الأنبياء وسيد البشر صلى اللّه عليه وسلم قال كما قال الأول قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: 93]، قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188]، لعمري لا تعدم نفس النبي ومزاجه كمالية في الفطرة وحسنا في الأخلاق وصدقا وأمانة في الأقوال والأفعال قبل بعثه لأنه بها استحق النبوة أو وصل بسببها إلى الاتصال بالملائكة وقبول الوحي كما قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159]، وكما قال القوم: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:
31]، قال سبحانه: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: 32]، فشخص النبي صلى اللّه عليه وسلم شخص الرحمة ورحمة مشخصة ورسالته إلى الخلق رحمة ونعمة كما قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: 107]، يَعْرِفُونَ

الصفحة 258