كتاب أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت الشوامي

كذلك تستقبلون ما دونه، ووراءه، لا إرادةَ أن يكونَ قِبْلَةً، ولَكِنَّه جِهَةَ قِبْلَةٍ».
«وقيل: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} في استقبال قِبْلَةِ غَيْرِكُم».
«وقيل: في تَحويلِكُم عن قِبلَتِكُم التي كنتم عليها، إلى غيرها، وهذا أشبه ما قيل فيها واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لقول الله - عز وجل -: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} إلى قوله تعالى: {مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)} [البقرة]، فَأَعْلَم اللهُ نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ لا حُجَّةَ عَليهم في التَّحويل، يعني: لا يَتَكَلَّم في ذَلك أَحَدٌ بشيءٍ يُريدُ الحُجَّةَ إلَّا الذِين ظَلمُوا مِنهُم، لا أَنَّ لَهُم حُجَّة؛ لأنَّ عليهم أن يَنصَرِفُوا عن قِبْلَتِهم، إلى القبلة التي أُمِرُوا بها».
«وفي قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة: ١٤٣] يقول: إلا لِنَعلَم أَنْ قَد عَلِمتُم مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ، وعِلْمُ اللهِ كَان قَبْل اتِّبَاعِهم وبَعْدَه سَوَاء».
«وقد قال المسلمون: فكيف بما مَضَى مِن صَلَاتِنَا، ومَن مَضَى مِنَّا؟
فَأعْلَمَهُم اللهُ - عز وجل -: أَنَّ صَلَاتَهُم إيْمَانٌ فقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: ١٤٣] الآية».
«ويقال: إِنَّ اليَهودَ قَالت: البِرُّ في اسْتقبال المَغْرِب، مَنْ كَان بِبَلْدَة بَيتِ المَقْدِس له مغرب، وقالت النصارى: البر في استقبال المَشْرق بِكُلِّ حَال، فَأنزلَ اللهُ - عز وجل - فيهم: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: ١٧٧] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: وأنتم مشركون؛ لأنَّ البِرَّ لا يُكْتَب لِمُشْركٍ، فلما حَوَّلَ اللهُ رَسولَه - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَكثرَ صَلاتِه، مِمَّا يَلِي الباب مِن وَجْه الكَعْبَة، وقَد صَلَّى مِن وَرائِها وصلى الناسُ، مُطِيفِينَ بالكَعْبَةِ،

الصفحة 120