كتاب آداب التربية في تراث الآل والأصحاب

في إحضار ولده معه لهذه المجالس النبوية الشريفة، بل كان هناك من هو أظهر اسمًا، وأرفع ذكرًا، يفعل فعله، لنعلم أنه أمرٌ لم يكن بعيدًا عن تربيتهم لصغارهم، هذا الرجل هو: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
اصطحب ولده الصغير عبدالله معه ذات يوم إلى المجلس النبوي، وبينما هم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أُتي بجُمَّار (¬١)، فقال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، مثلها كمثل المسلم، فحدثوني ماهي؟» فوقع الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر: فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم، فَسَكَتُّ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هي النخلة».
في طريق العودة: تحدث عبدالله الصغير مع والده عمر؛ فقصَّ عليه ما وقع في نفسه، فقال: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، ولم أركم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها؛ أحب إلي من كذا وكذا (¬٢).
إن هذا المشهد ليعكس بوضوح أثر هذه المجالس على التربية
---------------
(¬١) جمع جمارة، وهي قلب النخلة وشحمتها.
(¬٢) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٦١، ٤٦٩٨، ٦١٤٤)، ومسلم (٢٨١١).
قال ابن القيم في «الطب النبوي» (ص/ ٣٠٢) مُعلِّقًا على هذا الحديث:
"وفيه فرح الرجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصواب.
وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب، وليس في ذلك إساءة أدب عليه".

الصفحة 152