كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

هذا حسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود.
وبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال: دية أهل الذمة كدية المسلمين، كأبي حنيفة ومن وافقه، ومن قال: إنها قدر ثلث دية المسلم، كالشافعي ومن وافقه. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن الروايات التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لا يحتج بها. وقد بين البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في "السنن الكبرى" وقد حاول ابن التركماني رحمه الله في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات صالحة للاحتجاج، وهي ليس فيها شيء صحيح.
أما الاستدلال بظاهر قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} فيقال فيه: هذه دلالة اقتران، وهي غير معتبرة عند الجمهور. وغاية ما في الباب أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر، والسنة بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم. وهذا لا إشكال فيه.
أما استواؤهما قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية؛ لأنها مسألة أخرى. والأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى، ويؤيدها أن في الكتاب الذي كتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو ابن حزم: "وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" فمفهوم قوله "المؤمنة" أن النفس الكافرة ليست كذلك. على أن المخالف في هذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله، والمقرر في أصوله أنه لا يعتبر دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما هو معلوم عنه، ولا يقول يحمل المطلق على المقيد، فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان

الصفحة 636