كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 4)

كثيرًا، أي: وجعلناه كثير البر بوالديه، أي محسنًا إليهما، لطيفًا بهما، لين الجانب لهما. وقوله: {وَبَرًّا} معطوف على قوله: {تَقِيًّا (١٣)}، وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)} أي لم يكن مستكبرًا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان مطيعًا لله، متواضعًا لوالديه، قاله ابن جرير. والجبار: هو كثير الجبر، أي القهر للناس، والظلم لهم. وكل متكبر على الناس يظلمهم، فهو جبار. وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)} وعلى من يتكرر منه القتل في قوله: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ} الآية. والظاهر أن قوله: {عَصِيًّا (١٤)} فعول قلبت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء على القاعدة التصريفية المشهورة؛ التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
إن يسكنِ السابقُ من واوٍ ويا ... واتَّصلا ومن عُرُوضٍ عَرِيا
فياءً الواوَ اقلبنَّ مُدْغمًا ... وشذَّ مُعْطًى غيرَ ما قد رُسِما
فأصل {عَصِيًّا (١٤)} على هذا "عصويًا" كصبور، أي كثير العصيان. ويحتمل أن يكون أصله فعيلًا وهي من صيغ المبالغة أيضًا، قاله أبو حيان في البحر.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)} قال ابن جرير: وسلام عليه، أي: أمان له. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحيَّاه في المواطن

الصفحة 290