كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
ومنها: أن من روى عنهم الإِفراد روى عنهم القرآن أيضًا. ويكفي في أرجحية أحاديث القرآن أن الذين قالوا بأفضلية الإفراد معترفون بأن من رووا القرآن صادقون في ذلك، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا باتفاق الطائفتين إلَّا أن بعضهم يقولون: إنه لم يكن قارنًا في أول الأمر، وإنما صار قارنًا في آخره، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: أن أحاديث القرآن أرجح من خمسة عشر وجهًا، فلينظره من أراد الوقوف عليها.
وقد علمت مما تقدم: أن القائلين بأفضلية الإِفراد يقدحون في دلالة أحاديث القرآن على أفضليته على الإِفراد بالقادح المعروف في الأصول بالقول بالموجب، فيقولون: سلمنا أنه كان قارنًا مع بقاء نزاعنا في أفضلية القران على الإِفراد؛ لأن قرانه، وأمره أصحابه بالتمتع لم يكن لأفضلية القران والتمتع في حد ذاتيهما على الإِفراد، بل هما في ذلك الوقت أفضل لسبب منفصل وإن كان الإِفراد أفضل منهما في حد ذاته؛ لما قدمنا من أن الفعل المفضول أو المكروه إذا كان لبيان الجواز كان أفضل بهذا الاعتبار من الفعل الذي هو أفضل منه في حد ذاته، كما قدمنا إيضاحه.
وقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحارث المزني في السنن، وحديث أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خاصًّا بذلك الركب في حجة الوداع، وعمل الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة، وغيرهم من المهاجرين، والأنصار من أفاضل الصحابة، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما، وثبت عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان في الصحيحين وغيرهما ذلك. وقد قدمنا أن الآثار والأحاديث التي ذكرها ابن حزم