كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

عنهم مخالفة لذلك لا يلتفت إليها مع الروايات الثابتة في الصحيحين القاضية بخلافها.
فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أن القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والتمتع الواقع من الصحابة بأمره في حجة الوداع كانا لأجل بيان الجواز، فاللازم أن تكون مشروعية أفضليتهما باقية كالرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى، فإنه - صلى الله عليه وسلم - فعله، وأمر به لسبب خاص، وهو أن يرى المشركين قوة الصحابة، وأنهم لم يضعفهم مرض، ومع كون ذلك لهذا السبب فمشروعية سنيته باقية، فليكن قرانه، وتمتع أصحابه بأمره لذلك السبب كذلك.
فالجواب: أن الرمل المذكور لم يرد فيه دليل يدل على خصوصه بذلك الوقت، بل ثبت ما يدل على بقاء مشروعيته، وهو رمله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بعد زوال السبب، والتمتع والقران المذكوران وردت فيهما أدلة تدل على خصوصهما بذلك الركب كحديث بلال بن الحارث المزني، وحديث أبي ذر إلى آخر ما تقدم. وقد قدمنا مناقشة من ضعف الأول، بأن الحارث بن بلال راوي الحديث، عن أبيه مجهول، وأن حديث أبي ذر موقوف.
وبالجملة: فإنه يبعد كل البعد أن أبا بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم يتواطئون واحدًا بعد واحد في نحو أربع وعشرين سنة على إفراد الحج متعمدين لمخالفة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وجميع الصحابة حاضرون، ولم ينكر منهم أحد، فهذه دعوى باطلة. ومقتضاها أن الأمة جميعها، وخلفاءها الراشدين مكثت هذا الزمن الطويل، وهي على باطل فهذا باطل بلا شك.
واعلم أن قول عمران بن حصين رضي الله عنه في حديثه

الصفحة 182