كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

إليه؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كما هو معروف في الأصول.
الجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر المذكور مع حديث عائشة، وحديث ابن عبَّاس كما جاء في بعض الروايات، عن جابر عند مسلم بلفظ، لا يمكن فيه الجمع المذكور، وذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا زهير، حدَّثنا أَبو الزُّبَير، عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا، أي: الحل؟ قال: الحل كله. قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة". انتهى.
ولفظ جابر في حديث مسلم هذا في هذه الرواية، لا يمكن حمله على القارنين بحال؛ لأنه صرح بأنهم حلوا الحل كله، وأتوا النساء ولبسوا الثياب ومسوا الطيب، وأنهم أهلوا يوم التروية بحج، ومع هذا كله صرح بأنهم كفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة، فإن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عبَّاس يثبتانه.
وقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عبَّاس وعائشة؛ لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.

الصفحة 198