كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
النووي، لما تقرر في الأصول عن جماعة من العلماء أن الأفعال لا تعارض بينها، فلا يلزم نسخ الآخر منها للأول، بناء على أن الفعل لا عموم له، فلا يقع في الخارج إلَّا شخصيًّا لا كليًّا، حتَّى ينافي فعلًا آخر، فجائز أن يقع الفعل واجبًا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه.
قال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة الفعلان لا يتعارضان، كصوم وأكل، لجواز تحريم الأكل في وقت، وإباحته في آخر .. إلخ. ومحل عدم تعارض الفعلين المذكور ما لم يقترن بالفعلين قول يدل على ثبوت الحكم، وإلَّا كان آخر الفعلين ناسخًا للأول عند قوم، وعند آخرين لا يكون ناسخًا، كما لو لم يقترن بهما قول. وعن مالك والشَّافعي يصار إلى الترجيح بين الفعلين، إن اقترن بهما القول وإن لم يترجح أحدهما، فالتخيير بينهما.
مثال الفعلين اللذين لم يقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم مشيه - صلى الله عليه وسلم - بين الركنين اليمانيين، ورمله في غير ذلك من الأشواط الثلاثة الأول في عمرة القضاء، مع رمله في الجميع في حجة الوداع.
ومثال الفعلين اللذين اقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم صلاته - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف على صفات متعددة، مختلفة كما أوضحناه في سورة النساء، مع أن تلك الأفعال المختلفة اقترنت بقول يدل على ثبوت الحكم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فالجاري على الأصول حسبما ذكرنا عن جماعة منهم: ابن الحاجب، والعضد، والرهوني، وغيرهم أن طواف الأشواط كلها ليس ناسخًا للمشي بين الركنين، وأن صيغة صلاة الخوف فيها الأقوال المارة: قيل: كل صورة بعد أخرى، فهي ناسخة لها، وقيل: كلها صحيحة لم ينسخ منها شيء وقيل: بالترجيح بين صورها، وإن لم يترجح