كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

الطواف بطهارة ما دام بمكة، فإن رجع إلى بلده فالدم على التفصيل المذكور. واحتج الجمهور لاشتراط الطهارة للطواف، بأدلة:
منها: حديث عائشة المتفق عليه الذي ذكرناه سابقًا بسنده، ومتنه عند البخاري ومسلم: أن أول شيء بدأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم "أنَّه توضأ، ثم طاف بالبيت" الحديث. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صرحت فيه عائشة رضي الله عنها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالوضوء قبل الطواف لطوافه، فدل على أنَّه لا بد للطواف من الطهارة.
فإن قيل: وضوءه - صلى الله عليه وسلم - المذكور في هذا الحديث فعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب فضلًا عن كونه شرطًا في الطواف.
فالجواب: أن وضوءه لطواف المذكور في هذا الحديث قد دل دليلان على أنَّه لازم، لا بد منه.
أحدهما: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال في حجة الوداع: "خذوا عني مناسككم" وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره في قوله: "خذوا عني مناسككم".
والدليل الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)} وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.

الصفحة 217