كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
أخرى في بطن نخل، كما أوضحناه سابقًا في سورة النساء، فرأى جابر وعائشة صلاته في مكة فأخبرا بما رأيا وقد صدقا، ورأى ابن عمر صلاته بهم في منى فأخبر بما رأى، وقد صدق. وهذا واضح، وبهذا الجمع جزم النووي، وغير واحد.
وقال البخاري في صحيحه: وقال أَبو الزُّبَير، عن عائشة، وابن عبَّاس رضي الله عنهم: أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزيارة إلى الليل. انتهى محل الغرض منه. وقد قدمنا أن كل ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علق عنه، مع أنَّه وصله أَبو داود والتِّرمِذي وأحمد، وغيرهم من طريق سفيان، وهو الثَّوري، عن أبي الزُّبَير به. وزيارته ليلًا في هذا الحديث المروي عن عائشة، وابن عبَّاس، مُخَالفَةُ لما قدمنا في حديث جابر وابن عمر، وللجمع بينهما أوجه من أظهرها عندي اثنان.
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف طواف الزيارة في النهار، يوم النحر، كما أخبر به جابر وعائشة، وابن عمر، ثم بعد ذلك صار يأتي البيت ليلًا، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، وإتيانه البيت في ليالي منى هو مراد عائشة، وابن عبَّاس.
وقال البخاري في صحيحه بعد أن ذكر هذا الحديث الذي علقه بصيغة الجزم ما نصه: ويذكر عن أبي حسان، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزور البيت أيام منى. اهـ.
وقال ابن حجر في الفتح: فكأن البخاري عقب هذا بطريق أبي حسان، ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عبَّاس هذا على بقية الأيام، وهذا الجمع مال إليه النووي. وهذا ظاهر.