كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
الوجه الثاني: في الجمع بين الأحاديث المذكورة أن الطواف الذي طافه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلًا طواف الوداع، فنشأ الغلط من بعض الرواة في تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلًا.
قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن قَتَادة: أن أَنس بن مالك رضي الله عنه حدثه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به".
تابعه اللَّيث، حدثني خالد، عن سعيد، عن قَتَادة أن أَنس بن مالك رضي الله عنه حدثه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم -" انتهى من البخاري.
وهو واضح في أنَّه طاف طواف الوداع ليلًا. وحديث عائشة المتفق عليه يدل لذلك، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم في زاد المعاد. ولو فرضنا أن أوجه الجمع غير مقنعة فحديث جابر، وعائشة، وابن عمر أنَّه طاف طواف الزيارة نهارًا أصح مما عارضها، فيجب تقديمها عليه. والعلم عند الله تعالى.
التنبيه الثاني: اعلم أنَّه جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف ماشيًا، ومما يدل على ذلك الأحاديث الصحيحة التي سقناها سابقًا في أنَّه رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، فإن ذلك يدل على أنَّه ماش على رجليه، لا راكب، مع أنَّه جاءت روايات أخر صحيحة تدل على أنَّه طاف راكبًا.
قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان قالا: حدَّثنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "طاف