كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

يقدم على النص الدال على الإِباحة؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه مرارًا. والعلم عند الله تعالى.
الفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال العلماء، وأصحها إن شاء الله: أن الطواف لا يفتقر إلى نية تخصه؛ لأن نية الحج تكفي فيه، وكذلك سائر أعمال الحج كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والسعي، والرمي، كلها لا تفتقر إلى نية؛ لأن نية النسك بالحج تشمل جميعها، وعلى هذا أكثر أهل العلم. ودليله واضح؛ لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها، فكما لا يحتاج كل ركوع وسجود من الصلاة إلى نية خاصة لشمول نية الصلاة لجميع ذلك، فكذلك لا تحتاج أفعال الحج لنية تخص كل واحد منها، لشمول نية الحج لجميعها.
ومما استدلوا به لذلك، أنَّه لو وقف بعرفة ناسيًا أجزأه ذلك بالإِجماع. قاله النووي. ومقابل القول الذي هو الصواب إن شاء الله قولان آخران لأهل العلم:
أحدهما: وبه قال أَبو علي بن أبي هريرة من الشَّافعية أن ما كان منها مختصًّا بفعل كالطواف والسعي والرمي، فهو مفتقر إلى نية، وما كان منها غير مختص بفعل، بل هو لبث مجرد كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة فهو لا يفتقر إلى نية.
والثاني منهما: وبه قال أَبو إسحاق المروزي أنَّه لا يفتقر شيء من أعمال الحج إلى نية إلَّا الطواف؛ لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إلى النية. وأظهرها وأصحها إن شاء الله الأول، وهو قول الجمهور.

الصفحة 243