كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

وقد علمت مما ذكرنا أن بعض طرق حديث "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" لا تقل عن درجة القبول. وهو نص في محل النزاع مع أنه معتضد بما ذكرناه من حديث عائشة، عند الشيخين. وبظاهر الآية كما بينا، وبما سيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى.
ومن أدلتهم على لزوم السعي ما جاء في بعض روايات حديث أبي موسى المتفق عليه، من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
قال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: "أحججت؟ فقلت: نعم. فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال: فقد أحسنت. طف بالبيت وبالصفا والمروة" الحديث، قالوا: فقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى الأشعري: "طف بالبيت وبالصفا والمروة" أمر صريح منه - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك، وقد دل على اقتضائها الوجوب: الشرع واللغة. وقال بعضهم: إن العقل يفيد ذلك، وليس بسديد عندي.
أما دلالة الشرع على ذلك ففي نصوص كثيرة، كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)} وهذا الوعيد العظيم على مخالفة أمره يدل على وجوب امتثال أمره، وكقوله تعالى لإِبليس لما لم يمتثل الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل التي هي قوله تعالى: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}

الصفحة 262