كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

الآية، فتوبيخه وتقريعه له في هذه الآية لمخالفته الأمر، وقد سمى نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مخالفة الأمر معصية، وذلك يدل على وجوب الامتثال في قوله تعالى عنه: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)} وكقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فجعل أمر الله ورسوله مانعًا من الاختيار، موجبًا للامتثال، منبهًا على أن عدم الامتثال معصية في قوله بعده: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)} وكقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" إلى غير ذلك من الأدلة.
وأما دلالة اللغة على اقتضاء صيغة افعل الوجوب، فإيضاحها أن أهل اللسان العربي مجمعون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلًا، ثم لم يمتثل العبد، وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعًا موقعه؛ لأن صيغة أفعل ألزمته الامتثال، وليس للعبد أن يقول: صيغة افعل لم توجب على الامتثال، ولم تلزمني إياه، فعقابك لي غلط؛ لأني لم أترك شيئًا لازمًا، حتى تعاقبني عليه. وإجماعهم على أنه ليس له ذلك، وأن عقابه له صواب لعصيانه، دليل على أن صيغة افعل تقتضي الوجوب، ما لم يصرف عنه صارف، وهو قول جمهور الأصوليين. ومقابله أقوال أخر، أشار لها في مراقي السعود بقوله في مبحث الأمر:
وافعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل: للندب أو المطلوب
وقيل: للوجوب أمر الرب ... وأمر من أرسله للندب
ومفهم الوجوب يُدرى الشرع ... أو الحجا أو المفيد الوضع

الصفحة 263