كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

فرفع الجناح في قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} دليل قرآني على عدم الوجوب، كما قاله عروة بن الزبير لخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
والجواب عن الاستدلال بهذه الآية على عدم وجوب السعي: هو ما أجابت به عائشة عروة، فإنها أولًا ذمَّت هذا التفسير لهذه الآية بقولها: بئس ما قلت يا ابن أختي، ومعلوم أن لفظة بئس فعل جامد لإنشاء الدم، وما ذمت تفسير الآية بما ذكر إلَّا لأنه تفسير غير صحيح، وقد بينت له أن الآية نزلت جوابًا لسؤال من ظن أن في السعي بين الصفا والمروة جناحًا، وإذًا فذكر رفع الجناح لمطابقة الجواب للسؤال، لا لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق، فلو سألك سائل مثلًا قائلًا: هل علي جناح في أن أصلي الخمس المكتوبة؟ وقلت له: لا جناح عليك في ذلك، لم يلزم من ذلك أنك تقول: بأنها غير واجبة. وإنما قلت: لا جناح في ذلك، ليطابق جوابك السؤال، وقد دلت قرينتان على أنه ليس المراد رفع الجناح عمن لم يسع بين الصفا والمروة.
الأولى منهما: أن الله قال في أول الآية: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} وكونهما من شعائر الله لا يناسبه تخفيف أمرهما برفع الجناح عمن لم يطف بينهما، بل المناسب لذلك تعظيم أمرهما، وعدم التهاون بهما، كما أوضحناه في أول هذا المبحث.
والقرينة الثانية: هي أنه لو أراد ذلك المعنى لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، كما قالت عائشة لعروة، وقد تقرر في الأصول أن اللفظ الوارد جوابًا لسؤال لا مفهوم مخالفة له؛ لأن المقصود به

الصفحة 265