كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

ودليل أن عرفة كلها موقف ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن جعفر، حدثني أبي، عن جابر في حديثه ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف". انتهى من صحيح مسلم.
وقال المجد في المنتقى - بعد أن ساق هذا الحديث بلفظ مسلم الذي سقناه به - : رواه أحمد ومسلم، وأبو داود. ولابن ماجه وأحمد أيضًا نحوه، وفيه "وكل فجاج مكة طريق ومنحر" وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة جمع. وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة وقت للوقوف.
وأما ما قبل الزوال من يوم عرفة، فجمهور أهل العلم على أنه ليس وقتًا للوقوف، وخالف الإِمام أحمد رحمه الله الجمهور في ذلك قائلًا: إن يوم عرفة كله من طلوع فجره إلى غروبه وقت للوقوف، واحتج لذلك بحديث عروة بن المضرس، المذكور آنفًا فإن فيه: وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه. فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ليلًا أو نهارًا يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، وقد قدمنا قول المجد في المنتقى - بعد أن ساق هذا الحديث - : وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف.
وحجة الجمهور هي: أن المراد بالنهار في حديث عروة المذكور خصوص ما بعد الزوال، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله. قالوا: ففعله - صلى الله عليه وسلم - ، وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله: أو نهارًا.

الصفحة 277