كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر نص صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلًا، أن حجه تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة وعلى هذا جمهور أهل العلم، خلافًا للمالكية. وأما المقتصر على النهار دون الليل، فلحديث عروة بن مضرس الطائي وقد قدمناه قريبًا، وبينا أنه صحيح، وبينا أن فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه، فقوله - صلى الله عليه وسلم - : فقد تم حجه مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلًا أو نهارًا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم، كما بيناه فيما قبله، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث. وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة هذا الحديث على ذلك، كما ترى. العلم عند الله تعالى.
وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال، فقد قدمنا أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور يدل عليه؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - : أو نهارًا، صادق بأول النهار وآخره. كما ذهب إليه الإِمام أحمد. ولكن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وخلفائه من بعده كالتفسير للمراد بالنهار، في الحديث المذكور، وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظر، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط والعلم عند الله تعالى.
وحجة مالك في أن الوقوف نهارًا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءًا من الليل هي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كذلك، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين

الصفحة 279