كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
يقصرون بعرفة ومزدلفة ومنى. مالك، وأصحابه، والقاسم بن محمد، وسالم، والأوزاعي. وممن قال بأن أهل مكة يتمون صلاتهم في عرفة، ومزدلفة، ومنى: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، والثوري، ويحيى القطان، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغنى، وعزا النووي هذا القول للجمهور.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن ظاهر الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجميع من معه جمعوا وقصروا، ولم يثبت شيء يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في منى، ولا مزدلفة، ولا عرفة، بل ذلك الإِتمام في مكة. وقد قدمنا أن تحديد مسافة القصر لم يثبت فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأن أقوى الأقوال دليلًا هو أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه الصلاة كما أوضحنا ذلك بأدلته في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ما نصه: فلما أتمها - يعني الخطبة - ، يوم عرفة أمر بلالًا، فأذن، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، أسر فيهما بالقراءة. وكان يوم الجمعة. فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام، فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإِتمام، ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال لهم: "أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" فقد غلط عليه غلطًا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين.