كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
ومن أمثلتها أيضًا في القرآن قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} مع قوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} فإن الآيتين لم يقصد بلفظهما بيان قدر أقل أمد الحمل، ولكن المعنى الذي قصد بهما يلزمه أن أقل أمد الحمل ستة أشهر؛ لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرًا، ثم بين أن الفصال في عامين، فيطرح من الثلاثين شهرًا أربعة وعشرون التي هي عاما الفصال، فيبقى ستة أشهر، فدلت الآيتان دلالة الإِشارة على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر. ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، كما أوضحناه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)}.
ومراد الأصوليين أن المدلول عليه بالإِشارة لم يقصد باللفظ، أن اللفظ لا يتناوله بحسب الوضع اللغوي، مع علمهم بأن علم الله محيط بكل شيء، سواء دل عليه اللفظ المذكور بمنطوقه، أولم يدل عليه. وحجتهم في أنه واجب يجبر بدم أنه نسك. وفي أثر ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وأما حجة من قال: إنه ركن فهي من كتاب وسنة.
أما الكتاب، فقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح يدل على أنه لا بد من ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإِفاضة من عرفة.
وأما السنة، فمنها حديث عروة بن مضرس، الذي سقناه سابقًا، فإن فيه "من أدرك معنا هذه الصلاة، وكان قد أتى عرفات،