كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
على أنه لا يقضى في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الذي هو خامس يوم النحر فما بعده. ولكن ظاهر كلام مالك في تفسيره الحديث المذكور يدل على أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء؛ لقوله في كلامه المذكور: فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء.
فالجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن إطلاق القضاء على ما فات وقته بالكلية إصلاح حادث للفقهاء؛ لأن القضاء في الكتاب والسنَّة يطلق على فعل العبادة في وقتها، كقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} الآية، وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} الآية، وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} الآية. فالقضاء في هذه الآيات بمعنى الأداء.
الوجه الثاني: أنا لو فرضنا أن مالكًا رحمه الله يريد بالقضاء في كلامه المذكور المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، وهو أن القضاء فعل العبادة بعد خروج وقتها المعين لها تداركًا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته، كما هو المعروف في مذهبه: أنه إن أخر الرمي إلى الليل فما بعده، أنه قضاء؛ يلزم به الدم، فإنا لا نسلم أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لعبادة خرج وقتها بالكلية استنادًا لأمرين:
الأول: أن رمي الجمار عبادة مؤقتة بالإِجماع، فأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فعلها في وقت، دليل واضح على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك العبادة المؤقتة؛ لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه العبادة مؤقتة بوقت معين ينتهي بالإِجماع في وقت معروف، ويأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها. فهذا لا يصح بحال. وإذا تقرر أن الوقت الذي أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فعل العبادة