كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

التمتع، ولا القران، فالعمرة في التمتع والقران ليست لهم، وإنما لهم أن يحجوا بلا خلاف، والعمرة منهم في غير تمتع، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع والقران لأهل مكة. وممن قال: لا تمتع ولا قران لأهل مكة: أبو حنيفة وأصحابه، ونقله بعض الحنفية عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وهو رأي البخاري رحمه الله كما ذكره في صحيحه. ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع أو قران أو لا؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإِشارة في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فالذين قالوا: لأهل مكة تمتع وقران كغيرهم، قالوا: الإِشارة راجعة إلى الهدي والصوم، ومفهومه أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه ولا صوم. والذين قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، قالوا: الإِشارة راجعة إلى قوله {فَمَنْ تَمَتَّعَ} أي: ذلك التمتع {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع له، والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة، كما تقدم إيضاحه. والذين قالوا هذا القول زعموا أن في الآية بعض القرائن الدالة عليه، منها التعبير باللام في قوله: {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ} الآية، لأن اللام تستعمل فيما لنا، لا فيما علينا، والتمتع لنا أن نفعله، وأن لا نفعله بخلاف الهدي، فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي، ومنها: أنه جمع في الإِشارة بين اللام والكاف، وذلك يدل على شدة البعد، والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم.
وأجاب المخالفون بأن الإِشارة ترجع إلى أقرب مذكور، وهو الهدي، والصوم، وأن الإِشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف. وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى

الصفحة 357