كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

ومنه قوله {ذَلِكَ الْكِتَابُ} أي: هذا الكتاب؛ لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإِشارة إليه بإشارة القريب، كقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} الآية. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن. ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي:
فإن تَكُ خيلي قد أصيب صَميمها ... فعمدًا على عيني تيمَّمتُ مالكًا
أقول له والرُّمح يأطرُ مَتْنه ... تأمَّل خفافًا إنني أنا ذَلِكا
فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدًا من نفسه. قالوا: واللام تأتي بمعنى علي كقوله: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي: فعليها، وقوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} أي: على الأذقان. ومنه قول الشاعر، وقد قدمناه في أول سورة هود:
هتكت له بالرمح جيبَ قميصِه ... فخرَّ صريعًا لليديْن ولِلْفَم
وفي الحديث "واشترطي لهم الولاء".
أو أن المراد: ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتعوا، ويقرنوا وليس عليهم هدي؛ لأن قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} الآية، عام بلفظه في جميع الناس من أهل مكة، وغيرهم، ولا يجوز تخصيص هذا العموم إلَّا بمخصص يجب الرجوع إليه، وتخصيصه بقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} لا يجب الرجوع إليه، لاحتمال رجوع الإِشارة إلى الهدي والصوم، لا إلى التمتع كما

الصفحة 358