كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

الثاني: أن بيان الجواز فيما يتكرر فعله، ففعله - صلى الله عليه وسلم - مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزئ بيانًا للجواز، ويداوم في عموم الأحوال على أكمل الهيآت، كما توضأ مرة في بعض الأحوال، وداوم على الثلاث. ونظائر هذا كثيرة. ولم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم من المدينة، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة.
الثالث: أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه، ولم يوجد ذلك هنا. وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته، ولم يوجد ذلك؛ فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بالقوي، فيجاب عنه بأربعة أجوبة.
الأول: أن إسناده ليس بقوي.
الثاني: أنه فيه بيان فضيلة الإِحرام من فوق الميقات، وليس فيه أنه أفضل من الميقات. ولا خلاف أن الإِحرام من فوق الميقات فيه فضيلة، وإنما الخلاف أيهما أفضل.
فإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى.
فالجواب: أن فيه زيادة وهي تبيين قدر الفضيلة فيه.
والثالث: أن هذا معارض لفعله - صلى الله عليه وسلم - المتكرر في حجته وعمرته، فكان فعله المتكرر أفضل.
الرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى؛ لأن له مزايا عديدة معروفة، ولا يوجد ذلك في غيره، فلا يلحق به، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النووي.

الصفحة 368