كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى فحدث كل واحد منهم بما سمع.
وقال بعضهم: أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر حتى استوت به راحلته، وجزم ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة. ومراد ابن عمر بالإِنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلب قبل وصوله البيداء. وهذا الجمع ذكره ابن حجر، عن أبي داود، والحاكم.
وقال ابن حجر في الفتح: فائدة البيداء هذه فوق عَلمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي. قاله أبو عبيد البكري وغيره. انتهى منه.
وإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية؛ وأنه وقت انعقاد الإِحرام فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: حتى ينتهي رميه إياها.
والدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما، وكان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى، ففي لفظ لمسلم عن الفضل بن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة، وقوله في هذا الحديث الصحيح: "حتى بلغ الجمرة"، هو حجة من قال: يقطع التلبية عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي، وفي لفظ لمسلم، عن الفضل أيضًا "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة"

الصفحة 375