كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإِحرام. وهو قول عطاء، أخرجه سعيد ابن منصور بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة. وحكى النووي: عن داود: أنه لا بدَّ من رفع الصوت بها. وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا. انتهى من فتح الباري.
وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية، فاعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبى كما ذكرنا وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل. أما كونها مسنونة، أو مستحبة، أو واجبة يصح الحج بدونها، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه - صلى الله عليه وسلم - . والعلم عند الله تعالى.
وأما معنى التلبية: فهي من لبى بمعنى: أجاب، فلفظة: لبيك مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، أي: إجابة لك بعد إجابة، ولزومًا لطاعتك. وقال يونس بن حبيب البصري: لبيك: اسم مفرد لا مثنى. قال: وإنما انقلبت ألفه ياء، لاتصالها بالضمير، كما قلبت ألف لدى، وإلى، وعلى في حالة الاتصال بالضمير فتقول: لديك، وإليك، وعليك بإبدال الألف ياء. والأظهر قول سيبويه، وجمهور أهل اللغة.
ومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإِضافة للاسم الظاهر، لا الضمير كما في قول الشاعر، وهو أعرابي من بني أسد:
دعوتُ لما نابني مِسورَا ... فلبِّي فلبِّي يدي مسور

الصفحة 379