كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

وقد عرفت مما قدمنا ما يقع به التحلل عند كل واحد منهم، وإن وقع بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل أفسد عند الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة كما تقدم إيضاحه قريبًا.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في الجماع، فاعلم أنهم متفقون على أن مقدمات الجماع كالقبلة، والمفاخذة، واللمس بقصد اللذة حرام على المحرم.
ولكنهم اختلفوا فيما يلزمه لو فعل شيئًا من ذلك. فمذهب مالك وأصحابه أن كل تلذذ بمباشرة المرأة من قبلة، أو غيرها إذا حصل معه إنزال أفسد الحج. وقد بينا قريبًا ما يلزم من أفسد حجه حتى إنه لو أدام النظر بقصد اللذة فأنزل، فسد - عند مالك - حجه ولو أنزل بسبب النظرة الأولى من غير إدامة لم يفسد حجه عند مالك، وعليه الهدي. أما إذا تلذذ بالمرأة بما دون الجماع، ولم ينزل فإن كان بتقبيل الفم فعليه هدي. والقبلة حرام على المحرم مطلقًا عند مالك. وأما إن كان بغير القبلة كاللمس باليد، فهو ممنوع إن قصد به اللذة، وإن لم يقصدها به فليس بممنوع، ولا هدي فيه ولو قصد به اللذة، وإنما عليه الإِثم إلا إذا حصل بسببه مذي، فيلزم فيه الهدي. ومحل هذا عندهم في غير الملاعبة الطويلة، والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي.
فتحصل أن مذهب مالك فساد الحج بمقدمات الجماع إن أنزل، وإن لم ينزل ففي القبلة خاصة مطلقًا هدي، وكذلك كل تلذذ خرج بسببه مذي، وكذلك الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة. وما عدا ذلك من التلذذ فليس فيه إلا التوبة والاستغفار، ولا يفسد الحج عنده إلا بالجماع، أو الإِنزال.

الصفحة 411