كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أنه إن لبس اللبس الحرام، ويدخل فيه تغطية الرأس كما تقدم لا يلزمه بذلك دم إلَّا إذا لبسه يومًا كاملًا؛ لأن اليوم الكامل مظنة الانتفاع باللبس من حر أو برد. وعن أبي يوسف: أنه إذا لبس أكثر من نصف يوم، فعليه دم. وهو قول أبي حنيفة الأول. وعن محمد: أنه إن لبسه في بعض اليوم يجب عليه من الدم بحسابه. اهـ. هذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة وصاحبيه في هذه المسألة.
وقد قدمنا مرارًا أن مثل ذلك إن كان فعله لعذر ففيه عندهم فدية الأذى، وإن كان لغير عذر ففيه الدم. والعلم عند الله تعالى.
والظاهر: أن اختلافهم في القدر الذي تلزم به الفدية في اللبس الحرام من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. واللَّه تعالى أعلم.
ولو ارتدى بالقميص أو اتشح به، أو اتزر بالسراويل، فلا بأس، ولا يلزمه شيء عند الحنفية كما قدمنا عن غيرهم. وكذلك لو أدخل منكبيه في القباء، ولم يدخل يديه في الكمين، فلا شيء عليه عندهم خلافًا لزفر. وقد بينا حكم ذلك عند غيرهم. وعن أبي حنيفة: تغطية ربع الرأس كتغطية جميعه. وعن أبي يوسف: أنه يعتبر في ذلك الأكثر، ودوام لبس المخيط عندهم بعد الإِحرام كابتدائه، وهو كذلك عند غيرهم أيضًا.
واعلم أن النووي قال في شرح المهذب: وله - يعني: المحرم - أن يتقلد المصحف، وحمائل السيف، وأن يشد الهميان، والمنطقة في وسطه، ويلبس الخاتم، ولا خلاف في جواز هذا كله. وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلَّا ابن عمر في أصح الروايتين عنه، فكرههما، وبه قال نافع مولاه.