كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
عائشة، فإنها كانت قارنة على التحقيق، كما قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة، ولم ينحر عن نفسه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أحد عن أحد من أزواجه إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، وكذلك كل من كان معه من المتمتعين، وهم أكثر أصحابه، والقارنين الذين ساقوا الهدي، لم ينحر أحد منهم البتة قبل يوم النحر، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا من الخلفاء أنه نحر هدي تمتعه، أو قرانه قبل يوم النحر البتة.
فإن قيل: فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يتعين به الوجوب، لإِمكان أن يكون سنَّة لا فرضًا؛ لأن الفعل لا يقع في الخارج إلّا شخصيًّا، فلا عموم له، ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة، ولم ينسخ الأخير منها الأول، وإذًا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر، مع جواز الذبح قبله.
فالجواب من وجهين، الأول: هو ما تقرر في الأصول من أن فعله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان بيانًا لنص فهو محمول على الوجوب إن كان الفعل المبين واجبًا، كما أطبق عليه الأصوليون. وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق من الكوع مبينًا به المراد من اليد في قوله: {فَاقْطَعُوَا أَيْدِيَهُمَا} يقتضي الوجوب، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع، وأفعاله في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج، ومن ذلك الذبائح، وأوقاتها؛ لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنَّة. ولذا ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لتأخذوا عني مناسككم" وإذًا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه، ومكانه ما لم يكن هنالك قول منه أعم من الفعل، كبيانه أن عرفة كلها موقف، وأن