كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
الآخر، فله فيه أسوة حسنة، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة، فهو لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وملزوم الحرام حرام، ولازم الواجب واجب. وقالوا أيضًا: وهو مبالغة في التهديد على عدم الأسوة، فتكون الأسوة واجبة، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله.
ومنها: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} قالوا: وما فعله فقد آتاناه، لأنه هو المشرع لنا بأقواله وأفعاله وتقريره.
ومنها: قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الآية. ومن اتباعه التأسي به في فعله، قالوا: وصيغة الأمر في قوله: {فَاتَّبِعُونِي} للوجوب.
ومنها: أن الصحابة لما اختلفوا في وجوب الغسل من الوطء بدون إنزال سألوا عائشة، فأخبرتهم أنها هي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلا ذلك، فاغتسلا، فحملوا ذلك الفعل الذي هو الغسل من الوطء، بدون إنزال على الوجوب.
ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - لما خلع نعليه في الصلاة، خلعوا نعالهم، فلما سألهم: لم خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك، فخلعنا نعالنا، فحملوا مطلق فعله على الوجوب، فخلعوا لما خلع، وأقرهم - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. قالوا: فلو كان الفعل الذي لم يعلم حكمه لا يدل على الوجوب لبين لهم أنه لا يلزم من خلعه أن يخلعوا، ولكنه أقرهم على خلع نعالهم، وأخبرهم أن جبريل أخبره أن في باطنهما قذرًا. والقصة في ذلك ثابتة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عند أحمد، وأبي داود، والحاكم وغيرهم.