كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
التمتع، والقران يوم النحر = هو الذي مشى عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ودلت عليه الأحاديث. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلَّا ما أصلح أولها.
ومن أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها التي لا مطعن فيها بوجه أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بفسخ حجهم في عمرة، وأن يحلوا منها الحل كله، ثم يحرموا بالحج، وتأسف على أنه لم يفعل مثل فعلهم وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" وفي تلك النصوص الصحيحة: التصريح بأمرهم بفسخ الحج في العمرة، ومعناه: أنه هو - صلى الله عليه وسلم - يجوز له أن يفسخ الحج في العمرة، كما أمر أصحابه بذلك. وقد صرح في الأحاديث الصحيحة. بأن الذي منعه من ذلك أنه ساق الهدي، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لجعل الحج عمرة، وأحل منها، ونحر الهدي بعد الإِحلال منها، ولكن المانع الذي منعه من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت. والحلق الذي لا يصح الإِحلال دونه معلق على بلوغ الهدي محله، كما قال: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - بفعله الثابت عنه أن محله منى يوم النحر. وقد قدمنا في سورة البقرة أن القرآن دلَّ في موضعين على أن النحر قبل الحلق.
أحدهما: قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
والثاني: قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وقد قدمنا أن التسمية عند نحرها تقربًا للَّه، ثم قال بعد النحر الذي هو معنى الآية: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} ومن قضاء تفثهم: الحلق، أو التقصير. وقد ثبت في