كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

الصحيح "أنه - صلى الله عليه وسلم - حلق قبل أن ينحر (¬١) وأمر بذلك" كما قدمناه في سورة البقرة مستوفى، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - بيَّن أن من قدم الحلق، على النحر. لا شيء عليه. ولا خلاف أن كل الواقع من ذلك في حجته أنه كان يوم النحر كما هو معروف. وقد دلَّت آية الحج على أن كل هدي له تعلق بالحج - ويدخل فيه التمتع دخولًا أوليًا - أن وقت ذبحه مخصص بأيام معلومات، دون غيرها من الأيام، وذلك في قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} لأن معنى الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج، يأتوك مشاة، وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أي: ولأجل أن يتقربوا بدماء الأنعام في خصوص تلك الأيام المعلومات، وهو واضح كما ترى. وقد قدمنا أن هذه الأنعام التي يتقرب بها في هذه الأيام المعلومات، ويسمى عليها الله عند تذكيتها، أنها أظهر في الهدايا من الضحايا؛ لأن الضحايا لا تحتاج أن يؤذن فيها للمضحين، ليأتوا رجالًا وركبانًا، ويذبحوا ضحاياهم كما ترى. والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا، ونحر هديه يوم النحر، وأنه ما منعه من فسح الحج في العمرة إلَّا سوق الهدي، وأن الهدي لو كان يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لأحل بعمرة، وذبح هدي المتمتع عند الإِحلال منها، أو عند الإِحرام بالحج كما يقول من ذكرنا: أنه جائز. وقد قدمنا كثيرًا منها موضحًا بأسانيده، وسنعيد طرفًا منه هنا إن شاء الله تعالى.
---------------
(¬١) كذا في الأصل، ولعله سبق قلم، وصوابه: "نحر قبل أن يحلق".

الصفحة 588