كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
ومنها: أن الهدي يختص بمكان، وهذا الوصف منتفٍ عن الفرع، وهو الصوم، فإنه لا يختص بمكان.
ومنها: أن الصوم إنما يؤدى جزؤه الأكبر بعد الرجوع إلى الأهل في قوله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} وهذا منتفٍ عن الأصل الذي هو الهدي، فلا يفعل منه شيء بعد الرجوع إلى الأهل كما ترى.
واستدلالهم بأنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر قياسًا على فدية الطيب واللباس = مردود من وجهين أيضًا.
اعلم أولًا: أنا قدمنا أقوال أهل العلم، ومناقشة أدلتهم مناقشةً دقيقة في هدي التمتع هل هو دم جبران، أو دم نسك كالأضحية. فعلى أنه دم نسك فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى أنه دم جبران، فقياسه على فدية الطيب واللباس يمنعه أمران:
الأول: أنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته السنَّة الثابتة، عنه - صلى الله عليه وسلم - .
الثاني: أنه لم يثبت نص صحيح من كتاب، ولا سنَّة على وجوب الهدي في الطيب واللباس حتى يقاس عليه هدي التمتع. والعلماء إنما أوجبوا الفدية في الطيب، واللباس قياسًا على الحلق المنصوص في آية الفدية، والقياس على حكم مثبت بالقياس فيه خلاف معروف بين أهل الأصول. فذهبت جماعة منهم إلى أن حكم الأصل المقيس عليه لا بدَّ أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق الخصمين. وذهب آخرون إلى جواز القياس على الحكم الثابت بالقياس، كأن تقول هنا: من لبس أو تطيب في إحرامه لزمته فدية الأذى، قياسًا على الحلق المنصوص عليه في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ