كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

الذي هو "إلي"، فيجب تعلق الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية، وهو الحج، وأوله الإِحرام، فيجب الذبح بالإِحرام، كقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل، الذي هو الغاية لإِتمامه = مردود من وجهين.
الأول: أن هذا غير مطرد، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية.
ومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فنكاحها زوجًا غيره جعل غاية لعدم حليتها له، مع أن أول هذه الغاية الذي هو عقد النكاح لا يتعلق به الحكم، بل لا بدَّ من بلوغ آخر الغاية، وهو الجماع، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - : "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فعلم أن التعلق بأول الغاية لا يلزم على كل حال.
الوجه الثاني: أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله، ومفهوم قوله بينت أن هذا الحكم لا يتعلق بأول الغاية، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإِحلال الأول، لأنه لم ينحر هدي تمتع، ولا قران إلَّا بعد رمي جمرة العقبة، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} واللَّه يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} الآية، ففعلة مبين قوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنَّة، واللَّه يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} الآية، وهو - صلى الله عليه وسلم - يبين المناسك بأفعاله، موضحًا بذلك المراد من القرآن، ويقول: "لتأخذوا عني مناسككم".

الصفحة 595