كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر، وذلك باطل، فالحلق لا يجوز حتى يبلغ الهدي محله؛ كما هو صريح القرآن، والحلق لم يجز قبل يوم النحر، فالهدي لم يبلغه محله قبل يوم النحر، وهو واضح كما ترى، ولذا لم يأذن - صلى الله عليه وسلم - في حجته لمن ساق هديًا أن يحل ويحلق، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هديًا، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
واستدلالهم بحديث جابر المتقدم عند مسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم = مردود بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالقلب؛ لأن حديث جابر المذكور حجة عليهم، لا لهم، وذلك هو عين القلب، وإيضاحه أن لفظ الحديث "وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم" والإِشارة في قوله: "وذلك" راجعة إلى الأمر بالهدية، والاشتراك فيها، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم؛ وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج البتة قبل يوم النحر.
والغريب من الشيخ النووي أنه قال في حديث جابر هذا: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج؛ لأن لفظ الحديث مصرح بأن ذلك عند الأمر بالإِحلال من الحج. وهو يستدل به على وقوعه قبل الإِحرام بالحج.
والظاهر أن هذا سهو منه، أو أنه ذهب ذهنه إلى أنه أمرهم بذلك حين تحللهم من العمرة، وظن أن اسم الحج لا ينافي ذلك؛ لأن أصل الإِحرام بالحج، ففسخوه في عمرة، فلما أحلوا منها صاروا

الصفحة 596