كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)

تقربًا للَّه تعالى بدمائها قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} أي: ذكوها قائمة صواف على ثلاثة أرجل، كما هو معلوم.
ولا شك أن الله جل وعلا في محكم كتابه بين أن الهدي له محل معروف لا يجوز التحلل بحلق الرأس قبل بلوغه إياه، وذلك في قوله: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن فيها أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يسق هديًا من أصحابه بفسخ حجه في عمرة، والإِحلال من العمرة، وتأسف هو - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يفعل ذلك وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
ولا شك أن المانع له من فسخ الحج في العمرة أنه لا يمكنه التحلل، وحلق الرأس، حتى يبلغ الهدي محله.
ومن الضروري البديهي أن هدي التمتع لو كان يجوز ذبحه عند الإِحلال من العمرة، أو الإِحرام بالحج أنه - صلى الله عليه وسلم - يتحلل بعمرة، ويذبح هديه عندما تحلل منها، فيكون متمتعًا ذابحًا عند الفراغ من العمرة، أو عند الإِحرام بالحج، فلما صرح بامتناع هذا، وعلله بأنه قلَّد هديه، علم أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر كما هو واضح.
وقد أوضحنا أن جميع أفعاله في الحج - ويدخل فيها الذبح ووقته - كلها بيان لإِجمال آيات القرآن، كقوله: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} كما أنه بيان لقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الآية. ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - مبينًا أن أفعاله في الحج بيان للقرآن: "لتأخذوا عني مناسككم". وقد قدمنا اتفاق الأصوليين على أنه فعله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو

الصفحة 600